RIFNOW.COM - محمد بن عبد الكريم الخطابي الحامل للقيم الإنسانية والوطنية
الرئيسية | تــاريخ | محمد بن عبد الكريم الخطابي الحامل للقيم الإنسانية والوطنية

محمد بن عبد الكريم الخطابي الحامل للقيم الإنسانية والوطنية

محمد بن عبد الكريم الخطابي الحامل للقيم الإنسانية والوطنية

محمد لمرابطي*

 

جل الدراسات والأبحاث التي تناولت تجربة محمد بن عبد الكريم الخطابي ومساره النضالي، تكاد أن تكون محصورة في حرب التحرير العسكرية التي قادها ضد الاستعمار الإسباني، - أوفي الحرب الكيماوية التي يتناولها بعض الدارسين المغاربة والأجانب بمنهج التاريخ الأكاديمي المتزن، في حين يلجأ آخرون إلى موضعتها في إطار سياسي عام-، وتتناسى هذه الدراسات مؤهلات رئيسية أخرى، طبعت شخصيته وأثرت في مساره النضالي الحافل بالمحطات المشرقة، فبإيعاز من والده عبد الكريم تولى إنجاز مهمة تربوية لفائدة أبناء المسلمين في بداية القرن العشرين بمدينة مليلية المحتلة، وهي نقطة التحول الحاسمة التي غيرت مجرى حياته رأسا على عقب، وقام أيضا بدور الترجمة في الإدارة الإسبانية، مما جعله يدخل في غمار علاقات مهمة، وسعت من رؤيته الإدراكية، ووطدت علاقاته بعدد من الشخصيات الإسبانية النافذة، أثناء قيامه بوظيفة التدريس.

 ومن جانب آخر فقد كان لدوره الإعلامي والصحافي بجريدة " تلغرام الريف " أثره الواضح في صقل مواهبه، وساعده ذلك من جهة أخرى على التغلغل في أعماق خبايا العقلية الإسبانية منذ وقت مبكر، حيث عرف عن كثب غايات الاستعمار الإسباني، والأهداف الإستراتيجية التي كانت توجه نظرتهم المستقبلية إزاء منطقة الريف المغربية، وأبعاد السياسة الدولية آنذاك، خاصة وأنه قد أشرف بشكل متواصل على تحرير ذلك العمود الخاص باللغة العربية في صدر الصفحة الأولى من الجريدة الإسبانية بمليلية، محققا تواصلا واسعا مع قرائه من المغاربة والمسلمين، وبالنسبة للعامل الثالث فإن أهم ما وسم شخصيته بطابعه المميز، تقلده لمسؤولية قاضي القضاة بمليلية، فقد أيقن في هذه الأثناء من النظرة التمدينية للإسبان إزاء المنطقة، واستحكام النزعة الاستعمارية القائمة على التفوق في دمائهم وأرواحهم، يلوح له في الأفق الدور البارز للكرامة في تقدم الشعوب، ومؤمنا في الوقت ذاته بأهمية الحضارة الأروبية وأثرها في تحقيق النهضة، ودعوته إلى التعاون وتبادل التجارب، بدل الركون إلى الاستعلاء واستغلال الأوضاع المتردية للمغاربة الريفيين آنذاك، للوصول إلى محاولة إذلالهم وتمريغ كرامتهم، خاصة وقد أبانوا عن رفضهم القاطع لهذا المنهج في التعامل، وقاوموه بدون هوادة، فهذه العوامل الرئيسية الثلاث كان لها دور واضح في إبراز شخصية الخطابي بمدينة مليلية المحتلة من طرف الإسبان خلال مدة الإثني عشر سنة التي قضاها بهذه المدينة، ابتداء من سنة 1907 إلى  غاية 1919، ليعود بعدها إلى بلدته أجدير قبل وفاة أو مقتل والده عبد الكريم بقليل في 1920 .

 والجدير بالذكر أن منصب القضاء الذي تقلده بمليلية المستعمرة عمق من حسه الإنساني والحقوقي وحبه للعدل والمساواة، وأثر ذلك لاحقا بشكل واضح على مجمل الأوضاع التي عايشها خلال حرب التحرير، وجعلت منه سياسيا محنكا ورجل قانون بلا منازع، وحقوقيا بإحساس مرهف، في زمن استفحل فيه الظلم، ومنطق الغلبة للأقوى ونهب خيرات الشعوب ومقدراتها، ويمكن تلمس المضامين العميقة والإرهاصات الأولى التي صيرته حارسا نبيلا لحقوق الإنسان في مسيرة هذا المناضل الشهم من خلال عدد من مواقفه المضيئة وإجراءاته التي عايشها في الميدان من خلال النماذج التالية:

 

- التعامل الخاص والإيجابي مع الأسرى الإسبان الذين وقعوا في قبضته خلال الحرب، وهو الأسلوب أو القرار المبدئي الذي لم يأسف عليه أبدا في حياته، في وقت كان فيه القانون الدولي الإنساني يشق بصعوبة طريقه الأول نحو الظهور، فقط كان هناك قانون " لاهاي " أو قانون الحرب الذي يحدد حجم الآليات والقوة العسكرية المستعملة، وقد تم وضعه في نصوص مقننة خلال الفترة الواقعة مابين 1899 و1907، أما الاتفاقية الثالثة المتعلقة بحماية أسرى الحرب، فقد وضعت سنة 1949 ضمن الاتفاقيات الأربع المعروفة "باتفاقيات جنيف"، مع دعمها في 1977 ببروتوكولين إضافيين، لكن محمد بن عبد الكريم ارتقى بأسلوب تعامله الحضاري مع فئة الأسرى الإسبان ابتداء من سنة 1921، منذ هزيمتهم في معركة أنوال، إلى تعامل مثالي في غاية من الإنسانية، إستلهم جذوره العميقة من تربيته الدينية وتنشئته الأولى في محيطه الأسري، - فوالده عبد الكريم لم يكن من المرابطين ولامن الشرفاء، ولكنه من علماء وأعيان قبيلة بني ورياغل المغربية الكبيرة- وامتحاه أيضا من ثقافته الأصلية المتعددة الأوجه والمصادر، وفي هذا السياق تعترف المؤرخة الإسبانية "ماريا روسا" في كتابها القيم "في خندق الذئب" بما يلي : ( لم تكن وضعية السجناء، رغم وضع الأسر بالصورة البشعة التي يقدم بها ) ص: (212 )، إذ لم يتم تسجيل أي حالة من حالات الإعدام أو التعذيب، وحتى الوفيات التي حصلت في صفوفهم، كانت إما بسبب أخطاء تافهة، أو نتيجة الأمراض المتفشية، نظرا لضعف وقلة الإمكانيات الطبية آنذاك داخل منطقة الريف، وأطلق سراحهم بشكل سلمي وجماعي على شاطئ البحر قبالة جزيرة "النكور" المحتلة، في إطار من المفاوضات الهادئة التي جرت بين الطرفين، وسجلت في المقابل حالات قليلة جدا بشأن ما يسمى في التاريخ الإسلامي "بالسبي" (= أسر وسجن النساء)، حيث كن يعشن كعضوات وسط أسر محترمة ومرموقة، وبعد احتلال المنطقة راسلته إحداهن أثناء نزوله في منفاه بالقاهرة في 1947 بامتنان كبير، ذاكرة فضله وتعامله الإنساني الجميل، ومنهن من فضل البقاء والعيش بالمنطقة حتى السنوات الأولى من حصول المغرب على استقلاله .

 

- موقفه الإنساني المحض من عدم دخوله إلى مليلية، بعد انتصاره الكبير في معركة أنوال، رغم أن الطريق أمامه كان معبدا، ومليلية أصبحت في متناوله وملك يديه، ولكنه تراجع عن فكرة الدخول إلى المدينة المغربية المستعمرة، ليس لمجرد وجود تعقيدات دولية، أو لكونه عاش زمنا وأياما جميلة بين أهل هذه المدينة، كما يقول المؤرخ الإنجليزي"روبرت فورنو"، أو بسبب عدم توفره على قوات عسكرية كافية تسمح له بإخضاع المدينة حسب ما أورده المؤرخ البريطاني سيباستيان بلفور في كتابه" العناق المميت"، وإنما بالأساس لخوفه من حصول مذبحة في صفوف المدنيين - من الأطفال والنساء والعجزة- وحتى العسكريين، إذ خشي أن تنفلت الأمور من بين يديه، فقد كانت تلك الصورة الرهيبة أثناء حصار الثكنة الإسبانية بجبل "أعروي" ما تزال ماثلة أمام عينيه، لأنه لم يكن قد فرض بعد سيطرته العسكرية الكاملة، إضافة إلى عدم خضوع بعض القبائل له، خاصة قبائل "قلعية" الواقعة خلف مليلية، رغم الدعم الذي قدمته إليه عائلة الشريف محمد أمزيان في معركة أنوال، مما دفعه إلى الإحجام عن المغامرة برجاله في معركة غير مضمونة العواقب على المستوى الإنساني.


- موقفه من الشريف مولاي أحمد الريسوني وابن أخيه مولاي علي ومساعده المنبهي وجنوده الأربعمئة، فبعد نجاح المقاومين في اقتحام منزله وفك الطوق العسكري الذي ضربه أتباعه على مدينة أشاون، وجه أخوه امحمد الخطابي دعوة إلى علماء منطقة "جبالة" وضباط الحملات العسكرية للتداول في شأن اعتقاله، فأجمعوا على إعدامه، لكن أخوه امحمد اتصل هاتفيا بشقيقه في القيادة المركزية بأجدير، ليخبره بمضمون الحكم الصادر على شكل فتوى من العلماء، فطلب من أخيه امحمد قراءة نص الفتوى عليه في الهاتف، فلما وصل إلى عبارة، وهو في "أتم وضعه الصحي والعقلي"، طلب منه إعادة القراءة بتأن والوقوف بالخصوص إلى منطوق نص الفتوى الذي يؤكد سلامته الصحية والعقلية، ليسأله : وهل أجمع الحضور من العلماء كلهم على حكم الإعدام، أجابه نعم باستثناء العالم مولاي الطيب وغياب العالم السيد الرشدي، ثم قال: وأنت مع رأي مولاي الطيب المعارض، أو مع الإعدام، فقال أنا لن أخرج عن رأيك، وأثنى على موقف مولاي الطيب الرزين وشكره بحرارة، فهو في نظره على حق وصواب، فالريسوني حسب الزعيم الخطابي ساءت ظروفه الصحية والعقلية في أيامه الأخيرة، ونصح أخاه امحمد بأخذه كضيف عندهم إلى الريف وحمايته من سوء المعاملة باعتباره زعيما مغربيا، مع وضعه تحت الرقابة والحراسة الأمنية، إلى حين توقفه ب"تماسينت"، ولما سأله عن مصير الجنود الذين آزروا الشريف الريسوني، أجابه الزعيم: من أراد منهم الالتحاق بصفوف المقاومين فهو حر، ومن أراد منهم البقاء بمنزله فله الحق في ذلك، ومن أراد منهم أن ينضم إلى الاستعمار الإسباني فلا رجوع له بعدها إلى معقل المقاومين، وقد زار عبد الكريم الريسوني يوما في المنزل الذي كان يأويه متنكرا في شخصية فقيه، وتجادل معه حول أهداف الاستعمار والوضع السياسي في العالم، ثم خرج متمنيا للشريف الصحة والشفاء العاجل، والعودة إلى بلدته "تزروت" في منطقة جبالة، دون أن يعرف هويته، فسأل الشريف الريسوني من يكون هذا الفقيه ؟ فأجيب بأنه ابن عبد الكريم،وقال : لو كنت أعرفه بهذا المستوى، لوافقته رأيه، ودخلت في مشروعه التحريري.


 - ولا يخرج عن هذا الإطار أيضا، نزاهته واستقامته الشديدة في إصدار الأحكام، عندما كان قاضيا بمدينة مليلية، ومناصرته للمظلومين ودفاعه عن الحق وتطبيق القانون، رغم عدم استقلالية القضاء في المدينة المحتلة، وحضور مراقب عسكري إسباني برتبة كولونيل ومراقبين إسبان صامتين يتابعون سير الجلسات القضائية التي كان عبد الكريم يفصل فيها بين المتقاضين ليكتبوا بعدها تقارير لرؤسائهم عن الأحكام الصادرة، فقد حدث أن أصدر القاضي محمد البشير في المحكمة الابتدائية حكما لصالح أحد وجهاء المدينة المعروفين بثرائهم ضد مواطن بسيط يسمى محمد أشلييح، دون أن تتوفر في الحكم الابتدائي شروط المحاكمة العادلة، فلما انتقلت مسطرة التقاضي إلى محكمة الاستئناف، تولى عبد الكريم تدبير الملف، فحاول المراقب الإسباني الضغط عليه للإبقاء على مسطرة الحكم الابتدائي، وكان موقفه الرفض، مؤكدا للعقيد العسكري أن الملف مطروح في جلسة للمداولة القانونية بين قضاة القبائل المغربية السبعة، وباعتباره قاضيا للقضاة، فإنه سيحترم القانون والشريعة الإسلامية مهما كلفه الأمر من ثمن، فصدر حكم النقض في الاستئناف على يد الخطابي ليستفيد منه المواطن المظلوم، ومن يومها عملت سلطات الاحتلال على إبعاد ذلك المراقب العسكري من جلساته، فمحمد بن عبد الكريم كان دائما يعتبر وجوده مؤقتا بهذه المدينة، إذا عمدت إسبانيا إلى ترحيله أو طرده من مليلية، فإنه لن يتردد في رجوعه إلى أجدير ليعيش حرا طليقا بين قومه وعائلته.

- من ذلك أيضا تعامله الإنساني مع امرأة من بني وليشك، حضرت إليه رفقة صغارها في مكان يسمى "أخشاب أومغار" بمعنى " عوسج السيد " بتمسمان من إقليم الناظور، حيث كان يرابض هناك في أحد مواقعه العسكرية لإيقاف الزحف الإسباني المتوقع قدومه من مليلية، وبعد أن استأذنت في الدخول إليه باعتباره أحد القادة العسكريين المشتغلين تحت إمرة الخطابي، دون أن تعرف هويته، فسألها عن حاجتها، فأجابت بنبرة حادة، لقد أخذوا ماشيتي وممتلكاتي، لأن زوجي قتل خلال محاولته التسللية بين صف المقاومين والثكنة الإسبانية، فقال: تقصدين أنه كان يسترزق تجاريا بهذه الصفة ؟ فقالت: نعم، فأمر فورا بإرجاع ما تبقى من بهائمها وأملاكها، وخصص لها مرتبا قارا تعويضا لها عن مدخول زوجها المقتول لصغارها، منبها إياها إلى أن ما كان يقوم به زوجها الذي قتل مخالف لشريعة المسلمين، وأصيبت بذهول كبير عندما عرفت أن محدثها هو عبد الكريم نفسه، لأن مظهره لا يختلف عن الناس العاديين، واستقبح على ناظر العدلية محمد بولحية حكمه القاضي بمصادرة ما كانت تملكه تلك المرأة.


 - ويندرج في السياق ذاته، مراسة محمد بن عبد الكريم الخطابي  للأستاذ محمد الحسن الوزاني زعيم حزب الشورى والاستقلال المعارض، في أحداث الانتفاضة التي عرفها الريف في 1958، طالبا منه التدخل كمواطن وسياسي مغربي مرموق يترأس هيئة سياسية وطنية معارضة، لإيقاف نزيف الانتهاكات  التي عرفتها المنطقة خلال تلك الفترة من تاريخ المغرب، في وقت لم يكن متداولا فيه من المواثيق الدولية على الساحة الأممية إلا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كوثيقة ذات طابع معنوي وأخلاقي، أما العهود الدولية الملزمة للدول الأطراف فلم يشرع في تطبيقها إلا بعد 1976 ومصادقة الدولة المغربية بالانضمام إليها في1979، ويمكن أن نلمس أيضا تبلور وعيه الحقوقي في مراسلته لعصبة الأمم، والصليب الأحمر الدولي باعتباره النواة الأولى للقانون الدولي الإنساني الذي سينشأ لاحقا في موضوع قصف إسبانيا المنطقة بأسلحة الغازات السامة الممنوعة دوليا، بموجب معاهدة "فرساي" والبرتوكول الدولي الصادر ب"جنيف" سنة 1925 وذلك  خلال حربه العادلة ضد الإسبان، داعيا إياههم إلى التدخل لصالح المغاربة ووضع حد لهذه المذبحة البشعة، ينضاف إلى ذلك أيضا ترفعه وزهده في الدنيا، وصرفه لأمواله على طلاب العلم والقضية الفلسطينية بعد استقراره في القاهرة، فقد كان لا يحب أن يعيش فوق مستوى الناس العاديين، ورفض السكن في القصر الذي قدمه إليه الملك فاروق في 1947، واعتذر إليه باحترام شديد، مؤكدا أنه لن يسكن القصر إلا بعد خروج الاستعمار واستقلال المغرب وتطبيق الديمقراطية، واكتفى بكراء فيلا صغيرة بحدائق القبة المصرية ضمته وأفراد عائلته الكبيرة، مما يؤكد بجلاء عمق تفكيره الوطني ومغربيته الأصيلة

 

- وتتناسل مواقفه الإنسانية القيمة في هذا الصدد لتشمل رفضه لعقوبة الإعدام التي صدرت في حق أحد الجنود المغاربة بمدينة مليلية عندما كان قاضيا للقضاة، وطلبه منهم في المحكمة العسكرية السماح له بإلقاء كلمة تبين لهم مكمن الخلل غير القانوني المتضمن لعقوبة الإعدام، بعد أن تم استدعاؤه إلى مجلسهم العسكري كقاض مدني مختص في شؤون المسلمين بمليلية، وانتهت المحاكمة بصواب وجهة نظر الخطابي التي أخذت بها المحكمة الإسبانية، ليتحول حكم الإعدام إلى مجرد حكم بالسجن وتجريد العسكري المنحدر من منطقة الريف من حقوق الجندية، مع منعه من العمل في هذا السلك نهائيا، دون أن ننسى أيضا موقفه مع المارشال مزيان عندما زاره هذا الأخير في بيته بالقاهرة 1960، معتذرا إليه عما بدر منه، نظرا لمساندته الإسبان في حروبهم العدوانية ضد عبد الكريم والمقاومين، فكان جواب الزعيم : "لنترك ما جرى للتاريخ، ولا يخجلنك تاريخك العسكري، فقد كنت رجلا عسكريا شجاعا في الميدان، وكل خلق لما يسر له"، ودون أن نتناسى أن ابن عبد الكريم نفسه تسلم أربع أوسمة من الدولة الإسبانية خلال الفترة الممتدة مابين يناير1912 وأكتوبر 1913وشح بها مقابل تعاونه معها، قبل أن تتأجج في أعماقه جذوة الحمية الوطنية الملتهبة، ويلبى نداء بلاده في الانعتاق وتحقيق الحرية والكرامة.

هكذا، ونظرا لكونه كان أحد الأوائل الذين تخرجوا من جامعة القرويين العريقة بمدينة فاس المغربية، فقد كان عبد الكريم حقوقيا مؤمنا بالفكر الدستوري متطبعا بالقانون وقيمه الإنسانية المثلى، لأنه إبن الشعب البار وصوت ضميره المعبر عن مشاعره وأفكاره، كما أبلى البلاء الحسن ليس في المقاومة من أجل تحرير البلاد من السيطرة الاستعمارية فحسب، بل كافح أيضا من أجل حرية الإنسان المغربي ورقيه وازدهاره في إطار النظام الدستوري، وتصريحه الذي أدلى به لمراسل صحيفة "التحرير" المغربية لسان حال" الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" بكون الدستور يجب أن يضعه مجلس تأسيسي منتخب ليكون شرعيا حسب رأيه، خير دليل على اهتمامه بالمسألة الدستورية، وقد كان هناك في المغرب من أيد هذه الفكرة ودافع عنها، وهناك في المقابل من اعتبرها غير مقبولة، نظرا لظروف المغرب الاجتماعية والسياسية في بداية الستينات، ومهما يكن الأمر فقد اتخذ محمد بن عبد الكريم موقفه بخصوص الاستفتاء على الدستور نتيجة تكوينه الثقافي الخاص، وله الحق في ذلك لكونه مواطنا مغربيا وزعيما وطنيا، فقال رأيه بحرية وإخلاص وهو في القاهرة، ونستحضر في هذا الصدد ماورد في كتاب " شهادات عن المقاومة في عهد الزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي" لمحمد الرايس، بشأن موقف السلطان مولاي يوسف حينما أخبره المستشار الفرنسي " ماركو " بنبإ نفي محمد بن عبد الكريم الخطابي إلى جزيرة لارينيون خلال سنة 1926، إذ تأثر السلطان كثيرا حتى سالت دموعه، بعد أن استنكر بشدة هذا القرار الجائر المشترك بين الدولتين الاستعماريتين فرنسا وإسبانيا، ليردف السلطان بقوله : " لله درك يا ابن عبد الكريم، أنت شرفت الإسلام وأعلنت عن حسن مآل " مما يؤكد عمق الروابط التي كانت تجمع بين صاحب العرش وأحد مواطنيه الذي أعلن بيعته الشرعية لسلطانه المغربي بدون أية مواربة من خلال وثائقه الكتابية، والذي تمكن من قيادة المقاومة في شمال المغرب عامة والريف المغربي على وجه الخصوص . 

 

وفي هذا الإطار تطرق المرحوم الأستاذ محمد العربي المساري في مؤلفه القيم " محمد بن عبد الكريم الخطابي – من القبيلة إلى الوطن " إلى الندوة المنعقدة في باريس خلال شهر يناير سنة 1973 التي شارك فيها الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي الوزير الأول المغربي السابق في حكومة التناوب التوافقي، خلال مرحلة نفيه التي عاشها بفرنسا، حيث ذكر صاحب الكتاب أن اليوسفي قد التزم بعض الحذر في التعبير، وقال بالضبط : إن تجربة الخطابي كانت إبداعا ومحاولة في مرحلة معينة، وإبداعه تجلى على الصعيد السياسي في "محاولة" حل لإشكالية الدولة المغربية، لأن المغرب في الواقع كان قد أنهكته قرون من حروب قاسية بين بلاد المخزن وبلاد السيبة، فابن عبد الكريم وفق هذا المنظور نموذجا فذا لزعيم حداثي أنبتته تربة قروية، مثل المتنورين في كل مرحلة من مراحل النضال الوطني، كان ينشد بناء مغرب عصري، مستقلا وموحدا ترابه، من أول مواصفاته أن يكون ديمقراطيا تحظى فيه حقوق الإنسان باعتبار خاص، وهذا ما تجلى في محاولته تنظيم الشأن العام في المناطق التي كانت تابعة له بكيفية محكمة، وغير بعيد عن هذا البناء النظري، يمكننا أن نجد الموقف ذاته لدى المفكر المغربي والزعيم علال الفاسي في كتابه " الحركات الاستقلالية في المغرب العربي " حيث يعتبر المؤلف : أن الخطابي أسس نظاما مؤقتا مكنه من تنظيم الإدارة وتدريب الجمهور على أن يسير نفسه بنفسه، وعند التحرر الكامل لسائر أبناء الوطن من الاستعمار، يسلمون البلاد المحررة لصاحب العرش، ولم يطالبوا بأكثر من تطبيق نظام دستوري يحقق رغبات الشعب في مراقبة أعمال الدولة والتعاون على تسييرها.  " الطبعة السابعة "– ص:  127 .      

 

 *باحث مهتم بتاريخ الريف

 

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0)

المجموع: | عرض:
التعليقات الواردة من القراء تعبر عن آرائهم فقط دون تحمل أي مسؤولية من قبل موقع"ريفناو"
من شروط النشر: أن يكون للتعليق صلة مباشرة بمضمون المقال ، عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات ، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.


استطلاع الرأي

هل أنت مع استمرار الأشكال الاحتجاجية بالحسيمة والنواحي؟؟

الكلمات الدليلية:

لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0

آراء حرة