RIFNOW.COM - احتجاجات الريف..تضع على طاولة الاختبار العهد الجديد للمصالحة
الرئيسية | أخـــبار | احتجاجات الريف..تضع على طاولة الاختبار العهد الجديد للمصالحة

احتجاجات الريف..تضع على طاولة الاختبار العهد الجديد للمصالحة

احتجاجات الريف..تضع على طاولة الاختبار العهد الجديد للمصالحة

 

د.سفيان الحتاش

ينطوي الحراك الشعبي في الريف على كثير من الابعاد والدروس في التدافع السياسي والاجتماعي في المشهد الريفي خاصة والمغربي عامة، وإذا تجاوزنا لغة الاعلام والساسة التي تقدم غالبا قراءات مبتسرة فيها كثير من التبسيط القائم على الوصف من جهة والاستغلال السياسوي للأحداث من جهة أخرى، فان قراءة متمعنة للظاهرة المستندة على مناهج العلوم الاجتماعية خاصة منهج علم الاجتماع السياسي يمكننا من تشخيص دقيق لمكامن الازمة المفجرة للوضع الاجتماعي بمنطقة الريف .

لقد حظيت منطقة الريف تاريخيا بأهمية استراتيجية كبيرة من الناحية الامنية والعسكرية في مرحلة الاستعمار الاسباني وكذا الفرنسي وفي وقت لاحق من طرف الدولة المغربية، هذه الاهمية انطلقت من عدة اعتبارات تتمحور كلها في دور حركة المقاومة الوطنية التي جسدتها ثورة الريف ضد الاستعمارين الاسباني والفرنسي بقيادة الامير محمد بن عبد الكريم الخطابي ثم جيش التحرير الذي تأسس 2 اكتوبر 1955 بمنطقة تيزي وسلي في الريف الشرقي ناحية تازة، بالإضافة الى احداث 58- 59 في بداية الاستقلال. هذا التاريخ وهذه الاحداث ادت الى تبلور وعي تاريخي للكيان الجمعي الريفي، وعي اخترقته وتخترقه كثير من التمثلات والمفاهيم، تحولت بعضها الى نزعات سلبية بفعل أخطاء السلطة لما بعد الاستقلال التي احدثت جرحا غائرا في هذا الكيان، لم تفلح معه الحكومات المتعاقبة من معالجته، مما تسبب في خلق ازمة بنيوية مزمنة بين الريف والمركز. ومن هذا المنطلق تبرز الحاجة الى التوضيح والتحليل العلمي و الموضوعي لكثير من القضايا والأحداث، وهنا افتح قوسا لأقول كلمة بخصوص الحراك الشعبي بالريف، بعد حادث وفاة بائع السمك محسن فكري، ان ثمة اخطاء وقع فيها بعض النشطاء من خلال ترويج وتسويق لخطاب تصادمي مأزوم لا يخدم البتة افق الحراك السلمي الاحتجاجي المطلبي المشروع، وهو في الحقيقة خطاب يعتبر امتدادا لطروحات روج لها اليسار الجذري بالمغرب بخلفيات ايديولوجية في صراعه مع النظام السياسي في الماضي، ونقصد هنا ما يسمى "بجمهورية الريف" التي تحمل خلفية انفصالية.

ومن جهة الدولة ظلت منطقة الريف مخيفة ومصدر لهواجس بفعل رواسب الماضي وماضي "الجمهورية" التي أسسها محمد بن عبد الكريم الخطابي، وظل هذا الهاجس متجذرا في وعي ولا وعي الدولة مع ما ترتب عنه من مقاربات أمنية متعسفة في الكثير من الأحيان تجلت بالأساس في الطريقة التي ووجهت بها أحداث 58 والتدخل في أحداث الثمانينيات من القرن الماضي والحملة ضد مزارعي الكيف بعد صدور التقرير الأوربي الشهير في التسعينيات..

وفي هذا السياق لابد من توضيح بعض الحقائق التاريخية وهي ان محمد بن عبد الكريم الخطابي خريج جامعة القرويين انطلق في مشروعه التحرري من الهوية المغربية الريفية لمواجهة الاستعمار وحلفائه من الخونة، ولم يسقط يوما البيعة الشرعية من عنقه للسلطان وهو في عز قوته وانتصاراته ضد الاستعمار.

وقد حاول حينها عدد من خناسي العصر، أن يطعنوا ويضربوا حركة الأمير الجهادية من الداخل وذلك عبر الوشاية للسلطان، كذبا وزورا، أن بن عبد الكريم قد أسقط البيعة من عنقه وشق عصا الطاعة، واصفين حركته الجهادية الوطنية العظمى للسلطان بأنها مجرد "حركة انفصالية وانقلابية وانشقاقية". ولما أدرك الأمير الخطابي حجم المؤامرة كاتب السلطان بكتاب خطي وبيده مؤكدا بيعته الشرعية للسلطان الشرعي، وموضحا بأن " الجمهورية الريفية" التي حاول خناسو العصر استغلالها بأنها تنظيم إداري لتدبير الكفاح والمقاومة في جهة الريف في ظل التقسيم الاستعماري للمغرب بين المنطقتين الخليفية الإسبانية والسلطانية الفرنسية. كما أكد الخطابي ذلك كتابة، مؤكدا أن تنظيمه هو تنظيم من داخل المملكة لا من خارجها، وهو في ظلها وليس بديلا عنها أو منافسا لها، وهو ما بينه الدكتور مصطفى الغديري في بحثه المعمق والموثق بتفصيل لمن أراد التوسع في الموضوع، وهو ما أكده أيضا الأمير الخطابي للسلطان محمد الخامس في لقائهما التاريخي بالقاهرة.

لقد بقت العلاقة إذن مأزومة بين الريف والمركز حتى مجيء الملك محمد السادس واعتلائه العرش سنة 1999، حيث ابان عن ارادة واضحة في طي صفحة الماضي، وأطلق في عهده عدة مشاريع حقوقية كان أبرزها هيئة الإنصاف والمصالحة وتنصيبه للمجلس الوطني لحقوق الإنسان وأعاد الاعتبار للمنطقة واندماجها الاجتماعي والثقافي والمجالي في النسيج الوطني. هذه المشاريع والمبادرات من حيث المنطلق والمبدأ كانت ايجابية وواعدة وذات أفق وطني. ولكن للأسف الشديد بعض النخب السياسية، لم تحسن استغلال هذه الفرص لانجاز مصالحة حقيقية، وليس هنا بالضرورة ان تكون كل تلك النخب تضمر سوء النية ولكن غياب الرؤية والفهم الحقيقي والعميق لمشاكل الريف وسيكلوجية انسانه وغياب تصور شمولي واستراتيجي لعملية التنمية. فالمنطقة تعيش ولاتزال أزمة اقتصادية كبيرة، فلا تحويل العملة الصعبة بقي ثابتا ينقذ العائلات من الفقر ولا قطاع الصيد البحري حرك العجلة الاقتصادية، والمحصلة أن شباب المنطقة ضاع في كل شيء: في العمل وفي الهجرة وفي الحلم أيضا..كلها عوامل اذن أجهضت أو على الاقل أضعفت مطلب المصالحة.

إن المصالحة مع الريف في الواقع لم تتم يوما وأن صيغتها كانت محرفة، وعوض أن تتصالح الدولة مع التاريخ والجغرافيا تصالحت مع الأشخاص واعتقدت لأكثر من عقد أن مجرد اعترافات بسيطة ليساريين ينتمون إلى المنطقة كافية لتحقيق المصالحة..وهذه المصالحة أيضا ليست في حاجة إلى وساطات. وإذا كانت الدولة تمتلك بالفعل إرادة حقيقية لإصلاح الأوضاع فعليها أن تشرع في مصالحة سياسية بأفق انساني وتنموي شامل يقضي على جذور المشكلة.

ولا يمكننا ان ننكر ان الأحوال قد تغيرت على نحو ما، منذ وصول الملك محمد السادس إلى العرش -كما قلنا-، لكن هذا التحول لم يمس البنية الذهنية للمسؤولين الكبار للدولة وظلت الصورة النمطية عن الريف والريفيين منحوتة لدى أغلبية نخب السياسة والسلطة، بل لدى فئات كثيرة في الاوساط الشعبية بالمغرب، وليس أمرا غريبا أن تضطر للوقوف عشرات المرات عند حواجز الأمن فقط لأن تعريف السيارة ينتمي للريف، وليس غريبا أن تسمع من أناس عاديين على هامش شغب لشباب مفتونين بكرة القدم بأن هؤلاء "مساخيط سيدنا". إنها نتاج تربية طويلة إلى درجة أنها صارت عقيدة لدى الكثيرين، وليس سهلا بعد كل هذا الحصار والتهميش أن تغير الذهنيات أو تحدثا ارتجاجا في العقليات.

وإذا كانت الدولة قد راهنت على تغير الأجيال لإحداث نوع من القطيعة مع الماضي، فإن الحراك الأخير بين بشكل لا يفسح أي مجال للتأويل أن الرهان كان خاسرا جدا. لقد حملوا نفس الشعارات ونفس المطالب التي رفعها محمد سلام أمزيان ورفاقه في الخمسينيات من القرن العشرين، ونفس الإحساس بالتهميش والحكرة مع اختلافات بسيطة جدا، ورددوا خطابات تشبه نفس الخطابات التي رفعت قبل سبعين أن وثمانين عاما.

ماذا يعني هذا في السياسة؟ معناه أن سياسة الدولة مع منطقة كانت دائما ذات حساسية بالغة فشلت، وما كان يسمى بالقطيعة مع الماضي والمصالحة لم يفض إلى أي شيء. ولعل أول ما يجب أن تلتقطه الدولة من الحراك الشعبي الذي التفت حوله لأول مرة أطياف مختلفة منها حتى أولئك الذين ظلوا صامتين لمدة طويلة، أنها بحاجة إلى الاعتراف قبل أن يفوت الآوان. أن الدولة لم تنجح في سياساتها الاقتصادية والسياسية والأمنية في التعاطي مع الريف وقد ينسحب هذا الفشل على مناطق أخرى، ثم إنه ليس من المقبول بعد اليوم أن يروج مفهوم المصالحة مادام أن الذين تريد أن تتصالح معهم يرفضون الصيغة التي تقترحها.. يرفضونها لأنها لا تلبي الحاجيات الانسانية والاجتماعية والاقتصادية للمنطقة ولم تفض الى أي نتيجة.

 

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (4)

ريفي بريطاني من جبل طارق
2017-02-08 14:13:58
كل من يمنع الريفيون من الاحتفال بمولاي موحند وتاريخهم المجيد فهو عدوهم
رد مقبول مرفوض
2
ريفي بريطاني من جبل طارق
2017-02-08 14:07:52
عن اي مصالحة تتحدثون ؟اغلب الجلادين الذين ارتكبوا الجرائم لا يزالون في الحكم ،الريفيون الشباب لن ينسوا ابدا ما تعرض لهم اجدادهم من جرائم واهانة ،المخزن حاول بشتى الطرق ان يخفي تاريخ الريف المجيد في زمن التكنولوجيا و الانترنت ولكن مسعاه فشل فشلا ذريعا
رد مقبول مرفوض
1
متتبع
2017-02-08 03:29:03
بدأت مقالك في البداية بديباجة وكأنك ستنطلق من منهجية علمية بعد مسح الطاولة وما علق بها كما تدعي من تحليلات سطحية ، وإذا بك تنساق مع التحليلات أكثر ضحالة وسذاجة في تحليل علاقة المخزن مع الريف، فمن قال لك بأن تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة كانت مع الريف ، ولماذا كلما ذكرت تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة تربطونهات بالريف وكأن الأولى خلقت فقط من أجل الريف ، وتعلقون شماعة فشل تجربة الهيئة بالريف؟ كيق يستقيم قلم يدعي التحليل بأن المخزن قد تصالح مع اشخاص من اليسار؟ والحال أن هذا الأخير لم يعترف بأنه وافق أو راض على كيفية تدبير الهيئة لا بالريف أو بالمناطق الأخرى التي شهدت خروقات ف يزمن الجمر والرصاص، وأين ستضع الضحايا الذين ينحدرون من أجيال مختلفة ضمن معادلة منهم احداث الريف 58/59 واحداث 1984، وهل هؤلاء يساريون أيضا ؟ أعتقد بأن بعض التحليلات التي تدعي الحياد والموضوعية تسقط في مطبات التضليل والتشويه أكثر من تلك التحليلات المخزنية
رد مقبول مرفوض
7
Amezyan hamid
2017-02-08 03:19:01
هناك اطراف لا تريد بل ليس من مصلحتها القطع مع سياسةالماضي لا في الريف وﻻ في الصحراء لانها اوراقهم التي يستعملونها .المخزن قسمان .قسم حصلت له قناعة ان ﻻمستقبل لهم بدون كرامة المواطنين وقسم اناني وعنيد .وعلى قوى التغيير والوطنيين المزيد من النضال وابداع اشكال غير مسبوقة والتركيز على التربية والتعليم واشاعة روح الاعتزاز وحب الوطن والسلم عاش المغرب
رد مقبول مرفوض
3
المجموع: 4 | عرض: 1 - 4

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
التعليقات الواردة من القراء تعبر عن آرائهم فقط دون تحمل أي مسؤولية من قبل موقع"ريفناو"
من شروط النشر: أن يكون للتعليق صلة مباشرة بمضمون المقال ، عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات ، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.


استطلاع الرأي

هل أنت مع استمرار الأشكال الاحتجاجية بالحسيمة والنواحي؟؟

الكلمات الدليلية:

لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0

آراء حرة